ثاني اثنين

شارك هذا الدرس مع أحبائك

مهوى القلوب (7)

ثاني اثنَين

جائزة ثمينة جدًّا لمن يأتي به حيًّا أو مَيْتًا… ما إن سمعها قفّاؤو الأثر حتى انطلقوا في كل حدَب وصوْب، ومعهم الفرسان والسلاح، لا يتركون بيتًا ولا ناديًا، ولا مرعى ولا مستراحًا، ولا سهلًا ولا جبلًا، ولا شِعبًا ولا منحدرًا، ولا كهفًا ولا غارًا، إلا وتعقّبوه وفتّشوه، بقلوبٍ حاسدة، وسيوف غاضبة، كأنهم حُمُرٌ مُسْتنفِرة، فرّت من أسد هَصُور.

بعد ثلاث عشرة سنة من البعثة، ودّع النّبيّ محمّد عليه الصلاة والسلام أُمَّ القُرى مكة المقدسة بدموع الحبّ، فهي أحب أرض الله إلى الله؛ مهاجرًا يوم الاثنين مع صاحبه الصّدّيق أبي بكر (عبد الله) ابن أبي قحافة (عثمان)، فسلكا طريق الساحل، مشيًا متدثّرَين بالليل، ومُكوثًا متواريَين في النهار.

ويَمّمَ الصاحبان الصديقان الحبيبان غارًا ذا فُتحتين في أعلى الجبل العظيم “ثور” في مكة المكرمة، غارًا يضم بالحنان أحبّ الخلق إلى الله، في الوقت الذي نبذه مشركو قومه وحاربوه وأخرجوه، فيا عزّ الغار الذي آواه وحماه!

ويحصّن اللّهُ نبيّه وصاحبَ نبيّه بنسيج العنكبوت، بستار دُوْنه أقمار، بخيوط واهية واهنة، كانت خطّ دفاع أكثر أثرًا من سيف مُجرَّد، ورُمْحٍ سَمْهَرِيّ، ودِرْع مَسْرُود، وجَيْش عَرَمْرَم.

فما أعظمَ حكمتَك يا الله! فمَن كان الله معه فمَن عليه؟! ألَا من الله النّصر، وتُسخَّر جيوشُ الأسباب.

في هذه الأثناء وصل أبو جهل (عمرو بن هشام) وعصابته إلى باب الغار، تكبّدوا صعود الجبل، إمعانًا في المطاردة، ليجدوا – على ما يُروى – خيوط عنكبوت جديدة، وشجرة صغيرة نابتة، وحمامتين وحشيتين باضتا على فم الغار. ويقول أبو جهل: واللهِ، إنّ محمّدًا هنا ويسمعنا، لكنّ سحره حجبه عنّا.

ويُثبّت النبيُّ قلبَ الحبيب الخائف على حبيبه الذي فداه ويفديه بالروح، قائلًا: “لا تحزن إنّ الله معنا”. يمدّنا بالنُّصرة والكِلاءة والتأييد والتمكين (لا على الحقيقة المعيّة المادية، فالله موجود بلا مكان ولا جهة).

يمكث المهاجران ثلاثة أيام، ثم ينطلقان في رحلة الهجرة الميمونة المحفوفة بالمخاطر، حتى يصلا المدينة سالمين غانمين في الاثنين الذي بعده.

ولا يزال المُؤمنون عبر السنين، يحدُوهم الحنين، متتبعين آثار رسول الله عليه الصلاة والسلام، يصعدون الجبل، ويدخلون الغار؛ متبرّكين ومستأنسين ومعتبرين.

لو أنطق الله غار ثور لحكى الحنين للصاحبين المتحابّين؛ شوقًا وتوقًا.. فكيف المؤمن العاشق الولهان؟!

اللّهم كما جمعتَ الحبيبَين في الغار.. اجمعنا بهما وبالنبيّين والصدّيقين والشهداء ومَن نُحب من المؤمنين في الفَراديس العُلى.

والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp