fbpx

الوجيز في تفسير كتاب الله العزيز – سورة النبأ

شارك هذا الدرس مع أحبائك

الشيخ رمزي شاتيلا تفسير سورة النبأ بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين، سنتكلم إن شاء الله تعالى في تفسير سورة النبأ أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم {عَمَّ يَتَساءَلُونَ} أي عن أي شيء يتساءلون أي عن أي شيء يتساءل المشركون وذلك لما روي أنه حين بُعث رسول الله صلى الله عليه وسلم جعلوا يتساءلون فيما بينهم فيقولون ما الذي أتى به ويتجادلون فيما بُعث به عليه الصلاة والسلام فنزلت هذه الآية {عن النَّبَإ العَظِيمِ} وهو أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وما جاء به من القرآن العظيم وذكر البعث ويوم القيامة، {الَّذِي هُم فِيهِ مُختَلِفُونَ} وهو يوم القيامة لأن كفار مكة كانوا يُنكرونه والمؤمنين كانوا يُثبتونه، ثم قال الله عز وجل: {كَلَّا سَيَعلَمُونَ} {ثُمَّ كَلَّا سَيَعلَمُونَ} قوله تعالى {كلَّا} ردٌّ على الكفار الذين ينكرون البعث ويُنكرون يوم القيامة، وفي هذه الآية ردع للمشركين ووعيد لهم فسيعلمون ما ينالهم من العذاب، {ثُمَّ كَلَّا سَيَعلَمُونَ} نلاحظ هنا التكرار وهذا التكرار فيه تأكيدٌ للوعيد، {كَلَّا سَيَعلَمُونَ} {ثُمَّ كَلَّا سَيَعلَمُونَ} ثم ذكر الله عز وجل في الآيات الآتيه دلالة على قدرته سبحانه وتعالى على البعثِ وهو الخالق سبحانه وتعالى لا يعجزه شىء فقال سبحانه وتعالى: {أَلَم نَجعَل الأَرضَ مِهادًا} الأرض هذه الأرض التي هم يباشرونها يعيشون عليها الله عز وجل قال: {أَلَم نَجعَلِ الأَرضَ مِهادًا} معنى ذلك أن الله عز وجل ذلل الأرض للعباد حتى سكنوها فقال: {أَلَم نَجعَلِ الأَرضَ مِهادًا} كما قال الله عز وجل {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرضَ فِرَاشًا} ثم قال الله عز وجل {وَالجِبالَ أَوتادًا} أي إن الله سبحانه وتعالى ثبت الأرض بالجبال كي لا تميد بأهلها سبحانه وتعالى { وَخَلَقناكُم أَزواجًا} أي إن الله سبحانه وتعالى خلق أنواعًا في اللون والصورة واللسان {وَجَعَلنا نَومَكُم سُباتًا} هذا من نعم الله عز وجل علينا النوم وما معنى {سُباتًا} السبت في اللغة العربية معناه القطع فمعنى الآية إن الله سبحانه وتعالى جعل النوم سكونًا وراحة لينقطع الناس عن حركاتهم التي تعبوا بها في النهار فالنوم هو قطعٌ لأعمال العباد وراحةٌ لأبدانهم. كما قال الله عز وجل في القرءان الكريم {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الليلَ لِبَاسًا وَالنَّومَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا} سبحانه وتعالى ثم قال الله عز وجل {وَجَعَلنَا النَّهارَ مَعاشًا} كذلك جعل الله النهار وقت اكتسابٍ تتصرفون فيه في قضاء حوائجكم {وَبَنَينا فَوقَكُم سَبعًا شِدادًا} أي السماوات أي إن الله عز وجل جعل السموات السبع محكمة الخلق وثيقة البنيان {وَجَعَلنا سِراجًا وَهَّاجًا} السراج الواهاج المراد به الشمس انظر بماذا وصفها الله عز وجل وصفها بأنها سراجٌ وهاج فهي تضيء والوهاجُ هو الجامع للنورِ والحرارة، سبحان الله الخالق المدبر ثم قال الله عز وجل {وَأَنزَلنا مِنَ المُعصِراتِ مَاءً ثَجَّاجًا} ما هي المعصرات المعصرات السحاب السحاب هو الغيم يُنزل الله منها الماء المنصبَّ بكثرة هذا معنى ماءً ثجاجًا أي منصبًا بكثره ومن العلماء من فسر المعصرات بالريح لماذا لأن الريح تعصر السحاب ثم قال الله عز وجل {لِنُخرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَباتًا} أي إن الله سبحانه وتعالى يخرج بذلك الماء الحب كالحنطة والشعير وغير ذلك مما يتقوت به وكذلك يخرج الله النبات وهو كل ما ينبت من شجرٍ وحشيش {وَجَنَّاتٍ أَلفافًا} وكذلك يخرج الله عز وجل بذلك الماء البساتين ذات الزرع المجتمع بعضه إلى بعض إذا علم الكفار ذلك فهل علموا أن الله قادرٌ على أن يعيد الخلق يوم القيام فبعد أن عد الله عز وجل على عباده بعض وجوه أنعامه وتمكينهم من منافعهم قال تعالى: {إِنَّ يَومَ الفَصلِ كانَ مِيقاتًا} أي إن يوم القيامة يفصل فيه بين الحق والباطل وهو في تقدير الله تعالى حد تؤقت الدنيا وتنتهي عنده فيوم القيامة هو ميعادٌ للثواب والعقاب نسأل الله السلامة {يَومَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأتُونَ أَفواجًا} الصور عبارةٌ عن قرنٍ ينفخ فيه الملك إسرافيل والمراد هنا النفخة الأخيرة التي يكون عندها الحشر فينفخ في صور للبعث فيأتي الناس من القبورِ إلى الموقف أفواجًا أي زمرًا زمرًا أي جماعاتٍ متفرقة ثم قال الله عز وجل {وَفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَت أَبوابًا} أي تتشقق السماء يوم القيامةِ حتى يكون فيها شقوق {وَسُيّرَتِ الجِبالُ فَكانَت سَرابًا} أي أزيلت الجبال عن مواضعها فنسفت يوم القيامة {إِنَّ جَهَنَّمَ كانَت مِرصادًا} جهنم ترصد من حقت عليه كلمة العذاب فيدخلها الكافر ويحبس فيها يخلد فيها إلى ما لا نهاية أعاذنا الله من ذلك {لِلطَّاغِينَ مَآبًا} أي إن جهنم مرجعُ ومنقلب من طغى في دينه بالكفرِ والعياذ بالله ثم قال الله عز وجل {لابِثِينَ فِيها أَحقابًا} أي إن الكفار سيمكثون في النارِ ما دامت الأحقاب وهي لا تنقطع كلما مضى حقبٌ جاء حقبٌ وهكذا إلى ما لا نهاية له والحقب ثمانون سنة وليس في الآية هذه ولا في غيرها متعلقٌ ولا دليلٌ لمن يقولُ بفناء النار بل إن علماء الإسلام عدوا القول بفناء جهنم من الضلال المبين من الضلال المخرج من الإسلام والعياذ بالله كما قال الإمام الحافظ المجتهدُ تقي الدين السبكي رحمه الله تعالى في رسالته التي سماها الاعتبار ببقاء الجنة والنار ثم قال الله عز وجل {لا يَذُوقُونَ فِيها بَردًا وَلا شَرابًا} أي أن الكفار في جهنم لا يذوقون الشراب البارد المستلذ {إِلّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا} الحميم هو الماء الحار المتناهي في الحرارة هو الماء الحار الذي يحرق والغساق هو القيح الغليظ نسأل الله السلامة {جَزاءً وِفاقًا} فوافق هذا العذاب الشديد سوء أعمالهم وكفرهم {إِنَّهُم كانُوا لا يَرجُونَ حِسابًا} كانوا لا يخافون الحساب هم كانوا لا يؤمنون أصلًا بيوم الحساب فيخافون من العقاب {وَكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذَّابًا} أي كانوا مبالغين في تكذيب القرءان {وَكُلَّ شَيءٍ أَحصَيناهُ كِتابًا} أي كل شيءٍ مما يقع عليه الثواب والعقاب من الأعمال مكتوبٌ في اللوح المحفوظ يجازيهم الله عز وجل عليه ثم قال الله عز وجل {فَذُوقُوا فَلَن نَزِيدَكُم إِلّا عَذابًا} فزيادة العذابِ لهم إلى ما لا نهاية لهُ هو مسببٌ عن كفرهم باللهِ ورسولهِ وبيوم الحساب وتكذيبهم بالآيات وفي هذا الخطاب توبيخٌ لهم وشدة غضبٍ عليهم ولما ذكر الله شيئًا من حال أهل النارِ ذكر ما لأهل الجنة فقال {إِنَّ لِلمُتَّقِينَ مَفازًا} فالتقي هو من أدى الواجبات واجتنب المحرمات يفوز وينجو ويظفر حيثُ يزحزحُ عن النارِ ويدخل الجنة نسألُ الله عز وجل أن يدخلنا الجنة بلا عذاب {حَدائِقَ وَأَعنابًا} ويكون له في الجنة البساتين التي فيها أنواع الأشجار المثمرة {وَكَواعِبَ أَترابًا} أي جواري متساويات في السن {وَكَأسًا دِهاقًا} أي كأسًا مملوءة بالشراب الصافي {لا يَسمَعُونَ فِيها لَغوًا وَلا كِذَّابًا} لا يسمع أهل الجنة في الجنة باطلًا لا يسمعون باطلًا من القول ولا كذبًا ولا يكذب بعضهم بعضًا {جَزاءً مِن رَبّكَ عَطاءً حِسابًا} ويجزي الله المتقين إكرامًا منه العطاء والنعيم الكثير {رَبّ السَّماواتِ وَالأَرضِ وَما بَينَهُمَا الرَّحمن} فالله تعالى مالك السموات والأرض وما بينهما وهو الرحمن ثم قال الله عز وجل {لا يَملِكُونَ مِنهُ خِطابًا} أي لا يملك أهل السماوات والأرض الاعتراض على الله في ثوابٍ ولا عقاب لأنهم مملوكون له على الإطلاق فلا يستحقون عليه أعتراضًا وذلك لا ينافي الشفاعة بإذن الله {يَومَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلّا مَن أَذِنَ لَهُ الرَّحمنُ وَقالَ صَوابًا} أي يوم القيامة يقوم الروح وهو جبريل عليه السلام والملائكة مصطفين لا يتكلمون في موقف القيامة إجلالًا لربهم وخضوعًا له سبحانه وتعالى فلا يتكلم أحدٌ بشفاعة إلا إذا أذن الله له أن يتكلم فلا يشفع إلا من أذن الله له في الشفاعة ولا يشفعون إلا للمؤمنين لا تكون الشفاعةُ إلا لمؤمنٍ أما الكافر فإنه لا أحد يشفع له في الآخر {وَقالَ صَوابًا} أي قال حقًّا في الدنيا وعمل بهِ أي إنهم لا يشفعون إلا للمؤمن وهذا معنى قول الله عز وجل {وَلا يَشفَعُونَ إِلا لِمَنِ ارتَضَى} { ذلِكَ اليَومُ الحَقُّ فَمَن شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبّهِ مَآبًا} أي إن يوم القيامة ثابتٌ ليس فيه تخلف من أراد السلامة من العذاب يوم القيامة فليسلك سبيل الخير وفي الآيةِ معنى التهديد والوعيد لا التخيير {إِنَّا أَنذَرناكُم عَذابًا قَرِيبًا} هو عذاب الآخرة {يَومَ يَنظُرُ المَرءُ مَا قَدَّمَت يَداهُ} أي يرى أعماله مثبتةً في صحيفة أعماله يرى عمله مثبتًا في صحيفته خيرًا كان أو شرًا { وَيَقُولُ الكافِرُ يا لَيتَنِي كُنتُ تُرابًا} وهذا تأكيدٌ للتهديد والوعيد والتخويف من عذاب الآخرة إن الله يبعث الحيوان يوم القيامة كما قال الله عز وجل {وَإِذَا الوُحُوشُ حُشِرَت} فيقتص لبعضها من بعض ثم يقال لها بعد ذلك كوني ترابًا فيعود جميعها ترابًا الكافر يرى ذلك يوم القيامة فيتمنى لنفسه مثلها وهذا معنى قول الله عز وجل {وَيَقُولُ الكَافِرُ يَا لَيتَنِي كُنتُ تُرَابًا} نسأل الله عز وجل السلامة والله أعلم وأحكم